يرى الباحث في «هورن ريفيو» ماهر نسيبو أن إريتريا تُعد واحدة من أبرز الأدوات الاستراتيجية التي تستخدمها مصر في مواجهة إثيوبيا، ضمن مساعي القاهرة التاريخية للحفاظ على نفوذها في ملف مياه النيل.


وخلال القرن العشرين، حين كانت إريتريا لا تزال جزءًا من إثيوبيا، استفادت القاهرة، وفق هذا الطرح، من حركات المعارضة والتمرد التي نشأت هناك، إذ رأت أن انشغال الحكومة الإثيوبية ببناء الدولة سيحد من قدرتها على التركيز على مياه النيل.


وأضعفت جبهة تحرير إريتريا الشعبية، التي أصبحت اليوم الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة الحاكمة، استقرار إثيوبيا طوال سنوات تمردها الطويلة، وأسهمت، إلى جانب حركات تمرد أخرى داخل البلاد، في إسقاط الحكومة الإثيوبية، والأهم في انفصال إريتريا، ما أدى إلى تحول إثيوبيا إلى دولة حبيسة.


ويشير هورن ريفيو  إلى أن المشهد السياسي المرتبط بنهر النيل شهد تغيرًا جذريًا منذ ذلك الحين، بعدما أقامت إثيوبيا سدًا ضخمًا على النيل الأزرق، الذي يرفد النهر الرئيسي بنحو 85% من إجمالي تدفقه.


ورغم أن سد النهضة الإثيوبي الكبير مشروع لتوليد الطاقة الكهرومائية، وأن أديس أبابا تؤكد أنه لا يؤثر كثيرًا في كمية المياه التي تصل إلى السودان ومصر، فإن السد غيّر، بحسب المقال، موازين القوة المتعلقة بالمورد المائي.
كما تحدى السد الهيمنة التي تمتعت بها مصر طويلًا وسعت إلى الحفاظ عليها في مواجهة ما اعتبرته «منافسها الطبيعي» إثيوبيا.


سد النهضة وطموحات إثيوبيا في البحر الأحمر


فشلت الاستراتيجية المصرية في تغيير مسار بناء سد النهضة خلال السنوات الأربع عشرة التي استغرقها تشييده. ولم تنجح الضغوط الدبلوماسية، ولا حتى التحركات الرامية إلى عرقلة التمويل الدولي الذي احتاجته إثيوبيا، في ردع أديس أبابا، التي أكملت بناء السد العام الماضي.


ثم أعلنت إثيوبيا خططًا لتشييد ثلاثة سدود أخرى على النيل الأزرق، متحدية الضغوط المصرية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ طرحت الحكومة الإثيوبية خلال السنوات الأخيرة طموحات تهدف إلى عكس ما تعتبره مؤامرة تاريخية دفعت إثيوبيا بعيدًا عن البحر الأحمر. وأكدت أديس أبابا حقها في العودة إلى وضع الدولة الساحلية على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

 

وفي القاهرة، تصاعدت حالة الاستياء من إثيوبيا بصورة علنية. وأصبح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أكثر انتقادًا لغياب المفاوضات بين البلدين، ومع تصاعد الإحباط، اتخذ التحرك الدبلوماسي المصري طابعًا أكثر حدة، بل وأكثر إثارة لزعزعة الاستقرار، وفق رؤية المقال.


وفي خضم هذه التطورات، عادت إريتريا ورئيسها أسياس أفورقي إلى الواجهة بوصفهما عنصرين مهمين في النهج المصري الجديد. واتخذ هذا التقارب عدة أشكال. ففي عام 2024، عندما تحركت إثيوبيا لإبرام اتفاق مع أرض الصومال للحصول على منفذ بحري مقابل الاعتراف بها، نسقت مصر وإريتريا مع الصومال ضمن ما أصبح يُعرف بـ«التحالف الثلاثي» لمواجهة طموحات إثيوبيا للوصول إلى البحر.


وفي الآونة الأخيرة، كثفت القيادات والدبلوماسيون المصريون والإريتريون إظهار التقارب بين البلدين، مع عقد اجتماعات دورية في القاهرة وأسمرة، وسط تقارير عن توقيع اتفاقات مرتبطة بالموانئ، ومنها ميناء عصب.


القاهرة تدفع نحو تقارب أمريكي إريتري لمواجهة إثيوبيا


يرى المقال أن الجانب الأكثر أهمية في ما يوصف بـ«الاستراتيجية الكبرى» لمصر تجاه إثيوبيا يتمثل في دفع القاهرة نحو تقارب محتمل بين الولايات المتحدة وإريتريا، وهو تحول قد يحمل تداعيات واسعة على منطقة القرن الأفريقي.


وخلال النزاع حول سد النهضة، أبدت الولايات المتحدة تعاطفًا ملحوظًا مع الموقف المصري. وفي إطار استراتيجيتها تجاه الشرق الأوسط، ظلت مصر، بحسب المقال، أكثر أهمية للمصالح الأمريكية في المنطقة من إثيوبيا. وعلى هذا الأساس، اتبعت واشنطن، بما في ذلك خلال إدارة جو بايدن بين فترتي رئاسة دونالد ترامب، سياسة ضغط على إثيوبيا لدفعها نحو الاقتراب من المطالب المصرية.


وجعل ذلك الولايات المتحدة، رغم علاقاتها الجيدة مع أديس أبابا، وسيطًا منحازًا عاجزًا عن التوصل إلى حل قابل للتطبيق. وبناءً على ضغوط دبلوماسية مصرية، تدخلت إدارة ترامب مرارًا في النزاع، وهذه المرة عبر تبني رواية القاهرة بصورة أكثر وضوحًا.


وأثار ذلك استياء الدبلوماسيين الإثيوبيين، الذين تعاملوا ببرود مع واشنطن وتجاهلوا إلى حد كبير تصريحات الرئيس ترامب بشأن القضية. وفي المقابل، حققت القاهرة تقدمًا، ضمن استراتيجيتها الأكثر حدة، في تشجيع النظام الإريتري على تبني موقف أكثر عدائية تجاه إثيوبيا.


وتزامن ذلك مع محاولة تذويب الجليد في العلاقات بين الولايات المتحدة وإريتريا، التي توترت لعقود بسبب سياسة واشنطن تجاه أسياس أفورقي، بعدما اعتبرت نظامه غير قابل للتوافق ومزعزعًا للاستقرار بطبيعته.


ورغم ذلك، حافظت إريتريا على أهمية استراتيجية كبيرة بفضل موقعها على البحر الأحمر، وهو موقع استفادت منه واشنطن في الماضي، خصوصًا خلال ذروة الحرب الباردة، عبر منشآت مينائية وقاعدة عسكرية كبيرة في أسمرة.


ومع تصاعد أهمية البحر الأحمر للولايات المتحدة وحلفائها وسط حالة عدم الاستقرار الإقليمي، إلى جانب نهج إدارة ترامب الأكثر انفتاحًا على التعامل مع الحكومات السلطوية، يرى المقال أن هذه العوامل تقف وراء تحرك مسعد بولس، كبير الدبلوماسيين الأمريكيين لشؤون الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، للتواصل مع القيادة الإريترية.


مسعد بولس وإعادة فتح الملف الإريتري


يعتبر المقال أن الاستراتيجية المصرية تجاه إثيوبيا تبدو العامل الأهم الذي يدفع الولايات المتحدة نحو أسمرة. فعندما زار أسياس أفورقي القاهرة لمدة خمسة أيام في أكتوبر الماضي، جاءت الزيارة بعد جلسة للبرلمان الإثيوبي ناقش خلالها رئيس الوزراء الطريقة التي جرى بها انفصال إريتريا، وكيف أدى ذلك إلى تحول إثيوبيا إلى دولة حبيسة.


وخلال تلك الزيارة، عقد أفورقي اجتماعًا سريًا مع مسعد بولس، وفق ما كشف عنه تقرير لاحقًا، وجرى خلال اللقاء طرح تخفيف العقوبات باعتباره خطوة من شأنها «إطلاق» عملية إعادة التواصل بين واشنطن وأسمرة. ويتمثل الهدف الأوسع للسياسة الأمريكية في القرن الأفريقي، وفق ما يورده المقال، في منع اندلاع حرب جديدة.


ويُرجح أن تكون واشنطن قد شعرت بالقلق من التصريحات الإثيوبية الحادة بشأن ضرورة استعادة الوصول إلى البحر، ما يجعل احتمال سيطرة القوات الإثيوبية على ميناء عصب أمرًا واقعيًا، في ظل رفض أسمرة الاستجابة للمصالح الإثيوبية.


ويرى المقال أن النهج الذي تتبعه واشنطن لتحقيق هذا الهدف، عبر إخراج إريتريا من عزلتها وإعادة بناء علاقتها التاريخية مع إثيوبيا بعد سنوات من التوتر، قد يبدو قابلًا للاستمرار. إلا أن الدور المصري ومصالح القاهرة قد يحدان قدرة الولايات المتحدة على رؤية الصورة الأوسع وتحقيق سلام حقيقي في المنطقة.


وتشبه هذه المقاربة، بحسب المقال، نهج مسعد بولس تجاه السودان، حيث واجهت الجهود الأمريكية صعوبات في التأثير على التطورات الميدانية أو وقف القتال، بسبب ارتباطها جزئيًا بمصالح حلفاء واشنطن. وبالمثل، لا يأخذ النهج الأمريكي تجاه إثيوبيا وإريتريا، ومحاولات منع اندلاع صراع حول عصب، الصورة الإقليمية الأوسع في الحسبان، كما أنه يوظف الثقل الدبلوماسي الأمريكي وفق منطق ينطلق من القاهرة.


لكن المقال يحذر من أن الحرب الافتراضية حول عصب، التي تبدو محركًا للدبلوماسية الأمريكية، قد تكون أقل خطورة من صراع أكبر وأكثر تدميرًا يتشكل بالفعل، مدفوعًا، وفقًا لرؤية الكاتب، بتحركات مصر وإريتريا ضد إثيوبيا.


ويشير نسيبو إلى أن جزءًا من «الاستراتيجية الكبرى» المصرية، التي تستعيد في بعض جوانبها منطق حقبة الحرب الباردة الذي تطور في القاهرة، يقوم على بناء مجموعة من القوى القادرة على تحدي سيادة إثيوبيا وإضعاف الموقف الذي تتبناه أديس أبابا بشأن مياه النيل والبحر الأحمر.


ويضع هذا النهج أسياس أفورقي وإريتريا في قلب الاستراتيجية، إذ تستفيد أسمرة، وفق المقال، من معرفتها العميقة بتاريخ المشهد السياسي الإثيوبي وعلاقاتها به، لتطوير صلات مع حركات تمرد تدعمها حاليًا.


كما يجري، بحسب الكاتب، توظيف السودان ضمن هذه الاستراتيجية، إذ تستفيد مصر وإريتريا من الحرب الدائرة هناك لتعزيز تكامل القوى بالوكالة، وتطوير سلاسل الإمداد والعمليات اللوجستية، وغير ذلك من التحركات.

 

ويخلص المقال إلى أن واشنطن قد لا ترى المحركات الحقيقية للصراع بين إثيوبيا وإريتريا؛ فالدبلوماسية الأمريكية، التي تتأثر بالمصالح المصرية في القرن الأفريقي، تعيد فتح الملف الإريتري وتسعى إلى بدء فصل جديد مع أسياس أفورقي. ويحدث ذلك رغم وجود فجوات هيكلية تجعل تحقيق انخراط حقيقي أمرًا بالغ الصعوبة، ورغم أن إريتريا، وفق رؤية الكاتب، تعمل بناءً على طلب القاهرة على حشد شبكة من القوى بالوكالة تدفع المنطقة بصورة متزايدة نحو حرب كارثية.

 

https://hornreview.org/2026/07/21/behind-cairos-push-for-a-us-eritrea-rapprochement/